الشيخ الطبرسي

62

تفسير مجمع البيان

والتقدير الصحيح ما ذهب إليه الخليل من أن يحمل ( يرسل ) على أن يوحي الذي يدل عليه وحيا ، فصار التقدير : ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحيا ، أو يرسل رسولا فيوحي . ويجوز في قوله ( إلا وحيا ) أمران أحدهما : أن يكون استثناء منقطعا والآخر . أن يكون حالا . فإن قدرته استثناء منقطعا لم يكن في الكلام شئ يوصل بمن ، لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعده ، لأن حرف الاستثناء في معنى حرف النفي . ألا ترى أنك إذا قلت : قام القوم إلا زيدا ، فالمعنى . قام القوم لا زيد . فكما لا يعمل ما قبل حرف النفي فيما بعده ، كذلك لا يعمل ما قبل الاستثناء إذا كان كلاما تاما فيما بعده ، إذ كان بمعنى النفي . وكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعد إلا فيما قبلها ، نحو : ما أنا الخبز إلا آكل ، كما لم يعمل ما بعد حرف ماض فيما قبله . فإذا كان كذلك لم يتصل الجار بما قبل إلا ، ويمتنع أن يتصل به الجار من وجه آخر ، وهو أن قوله . ( أو من وراء حجاب ) في صلة وحي الذي هو بمعنى أن يوحي . فإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل الجار الذي هو من قوله : ( أو من وراء حجاب ) على ( أو يرسل ) ، لأنك تفصل بين الصلة والموصول بما ليس منهما . ألا ترى أن المعطوف على الصلة في الصلة . فإذا حملت على العطف على ما ليس في الصلة ، فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي الذي ليس منهما . فإذا لم يجز حمله على ( يكلمه ) من قوله : ( ما كان لبشر أن يكلمه الله ) ، ولم يكن بد من أن يعلق الجار بشئ ، ولم يكن في اللفظ شئ تحمله عليه ، أضمرت يكلم ، وجعلت الجار في قوله : ( أو من وراء حجاب ) متعلقا بفعل مراد في الصلة ، محذوف منها ، للدلالة عليه . وقد يحذف من الصلة أشياء للدلالة عليها ، ويكون في المعنى معطوفا على الفعل المقدر صلة ، لأن الموصولة ، وهي يوحي ، فيكون التقدير : ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه ، أو يكلمه من وراء حجاب . فحذف يكلم من الصلة ، لأن ذكره قد جرى ، وإن كان خارجا من الصلة فحسن ذلك حذفه من الصلة وسوغه . ألا ترى أن ما قبل حرف الاستفهام مثل ما قبل الصلة ، في أنه لا يعمل قي الصلة ، كما لا يعمل ما قبل الاستفهام فيما كان من حيز الاستفهام . وقد جاء : ( الآن وقد عصيت قبل ) والمعنى : الآن آمنت وقد عصيت قبل . فلما كان ذكر الفعل قد جرى